دموع وأحزان توماس فريدمان !!

كتبهاأحمــــد بوقـــرين ، في 2 نوفمبر 2006 الساعة: 21:33 م

 

دموع وأحزان توماس فريدمان !!

أحمد بوقرين- صحيفة القدس العربي 

ahmedbogrin@hotmail.com
 
لا أتصور أن أحدا من المثقفين والمفكرين العرب لا يعرف من هو السيد توماس فريدمان؛ فالرجل صحفي أمريكي لامع  متخصص في الشؤون الدولية في صحيفة النيويورك تايمز، وكاتب افتتاحيتها لسنوات عدة، كما أنه كاتب في أكثر من مائة جريده في العالم والتي تتعامل مع خدمة نيوزويك للتوزيع، وحاصل على جائزة بولتزر عام 1983 عن تقرير له عن لبنان، وجائزة بولتزر عام 1988 عن تقرير له حول إسرائيل، وهو كاتب عالمي له وزنه وصقله، وقلمه له تأثير بالغ ليس في العالم الغربي فحسب؛ وإنما في العالم العربي كذلك، وأنا شخصيا من الذين يستمتعون عندما يقرءون للسيد فريدمان، سواء في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، أو في صحيفة الإتحاد الإماراتية؛ فالرجل على أي حال يمتلك قلما رشيقا وحسا صحفيا قلما تجد نظيره، إلا أن ما استوقفني كثيرا ولفت انتباهي هو الثوب الإنساني الرحيم الذي حاول أن يرتديه توماس فريدمان في مقال له قبل أسبوعين بصحيفة الإتحاد الإماراتية بعنوان (ساعة للأحزان والدموع في مهنة الأخبار)، وهو يبدي فيه أحزانه ودموعه التي ذرفها على صديقه " ليون دانييل"  رئيس مكتب "يونايتد بريس إنترناشونال"، و"آبي إم روزنتال" محرر صحيفة نيويورك تايمز، وعلى مهنة الأخبار التي أمضى فيها زهرة شبابه بين أمريكا وبريطانيا ولبنان وإسرائيل.
     وتساءلت- بعد القراءة الثالثة للمقال- هل يمكن أن يكون توماس فريدمان الذي كان أحد أكبر مؤيدي وحاشدي الأصوات في حملة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على العراق والتي قتل فيها عدد الحصى والرمال من الأطفال والعجائز والشيوخ، هو نفسه من يمتلك هذه الدموع والأحزان والمشاعر الإنسانية المرهفة التي تفجرت عطفا وحنوا على أصدقائه الذين رحلوا، وعلى مهنة الأخبار التي يعشقها.
      فبالأمس القريب عندما هددت فرنسا باستخدام الفيتو إذا ما عُرض مشروع حق استخدام القوة ضد العراق، انبرى توماس فريدمان ليكتب مقالا في نيويورك تايمز بتاريخ (9/2/2003)، يطالب فيه بطرد فرنسا من مجلس الأمن، لأنها حسب وصفه: " ما زالت في روضة أطفال ولا تجيد اللعب مع الكبار "، كما أنه كتب قبل ذلك عن الفلسطينيين يقول: " إن كل ما يريده الفلسطينيون هو الدم والقتل "، وكان للسيد فريدمان موقفا "مميزا" من الانتفاضة الأولى حين قال للصحافة الإسرائيلية في أبريل عام 1988، على إسرائيل أن تفعل في الأراضي الفلسطينية ما فعلته بجنوب لبنان، أي أن تكثف ضرباتها العسكرية ضد الفلسطينيين.
     وكان لفريدمان أيضا موقفا "مميزا" من التغيير في العراق، فأثناء تمرد الجيش العراقي في الجنوب عام 1991 شرح فريدمان الموقف الأميركي بالقول: "علينا أن نسمح لصدام حسين بسحق المقاومة، وأن أفضل شيء للولايات المتحدة أن توجِد في العراق عصبة عسكرية تحكم بقبضة حديدية، بطريقة صدام نفسها على أن تحظى هذه العصبة بتأييد المملكة العربية السعودية وتركيا والولايات المتحدة، ومن الأفضل أن لا يكون على رأس النظام صدام نفسه، لكن نسخة منه تفي بالحاجة، وهذا ما نسعى إليه "، هذه هي مشاعر فريدمان الحقيقية التي نعرفها، أما التي ظهرت في مقاله الأخير (ساعة للأحزان والدموع في مهنة الأخبار) فيبدوا أنها سحابة صيف ولون طيف سرعان ما تزول ويعود إلى مهنة تسعير الحروب التي يجيدها السيد فريدمان أفضل من مهنة تحرير الأخبار التي ينعاها.
     في الحقيقة لأول مرة نستشعر إنسانية سيد فريدمان، فما كنا نقرأ له إلا  تسعير الحروب، وحشد الأصوات لأجلها، وإذا بنا اليوم نقرأ عن دموع وأحزان ومشاعر توماس فريدمان، إننا لا نريد ساعة كاملة من الأحزان والدموع التي ذرفها على أصدقاء مهنة الأخبار، وإنما يكفينا دقيقة أو دقيقتين يستقطعها لنا السيد فريدمان من وقته الثمين، لا ليبكي أطفال ونساء فلسطين والعراق الذين قتلوا ظلما؛ بل ليفكر مليا في الذنب الذي ارتكبه هؤلاء البؤساء من العراقيين والفلسطينيين حتى يُقتّلوا ويشرّدوا وينفوا من الأرض.
     أتصور أنه كان الأجدر بالسيد فريدمان- لا نقول أن يمتنع عن بكائه وأحزانه ودموعه على مهنة الأخبار فلعل جميعنا يشاطره هذه الأحزان- إلا أننا نطالبه بأن تكون له مشاعر إنسانية نبيلة يستطيع من خلالها أن يشعر بما تعانيه الشعوب المقهورة في العالم.
     وليزيد السيد فريدمان من تعجبنا بالإضافة إلى حيرتنا في دموعه وأحزانه، يسرد علينا قصة تعتبر قمة في اللا موضوعية واللا حياد في مهنة التحرير الصحفي التي ينتمي إليها السيد فريمان، خلاصة القصة أن السيد فريدمان وهو يقوم بتغطية حرب لبنان نقل خبرا لصحيفة نيويورك تايمز عن القصف الإسرائيلي لبيروت الغربية قال فيه إن القصف كان "عشوائياً" ولا يميز بين المدنيين والعسكريين، وكان رئيس تحرير صحيفة نيويورك تايمز لحظتها في إجازة، وعندما نشر الخبر في اليوم التالي حذفت منه كلمة "عشوائي" وما بعدها، بحجة أنها صياغة مُنحازة؛ فاستشاط السيد فريدمان- كما يقول- غضباً وكتب مذكرة احتجاجية شديدة اللهجة لمحرري الصحيفة، يتهمهم فيها بالجبن، وحين عاد رئيس التحرير من إجازته غضب جداً من عدم إذعان فريدمان لمحرري الصحيفة، فاعتذر فريدمان عما بدر منه، غير أن رئيس التحرير هدده بأن وظيفته باتت في خطر، وما أن وضعت تلك الحرب أوزارها، حتى تم إبلاغ فريدمان بأن رئيس التحرير يريد مقابلته، فذهب إلى لقائه، وهو يظن أن تلك هي نهاية علاقته بالـ"نيويورك تايمز"، لكنه باغته برفع راتبه 5 آلاف دولار إضافية، مصحوبة بعناق حار ودموع ساخنة، وتحذير مغلظ بعدم تكرار الفعلة.
     ففي آخر القصة يحاول فريدمان جاهدا إخبارنا بأن المصداقية في نقل الخبر لم تطبق، وأن حذف كلمة عشوائي كان ضروريا ومحايدا، فلا ندري أين ذهبت موضوعية وحياد السيد فريدمان- وهو الصحفي اللامع- وهو يؤكد لنا في نهاية مقالته أن حذف كلمة "عشوائي" من خبر قصف لبنان كان ضروريا ومحايدا؛ فإذا كان القصف عشوائيا وجب مهنيا أن يظهر الخبر بأن القصف كان عشوائيا، لكن يبدوا أن هذا هو واقع حال الإعلام الغربي عموما والذي يمثل السيد فريدمان صرحا من صروحه الشاهقة!!.
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : السلطة الرابعة .. صحافة x صحافة, مقالات خاصة بالكاتب | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “دموع وأحزان توماس فريدمان !!”

  1. Warm welcome to Alnemat TheGrace Arabic Christian Internet Magazine, We love you! Please visit us at:

    http://www.TheGrace.net

    http://www.TheGrace.org

    http://www.TheGrace.com

    نتمنى لكم الفرح والسلام والمحبة لأن السلام افضل من الحرب والمحبة افضل من الكراهية كما ان النور أفضل من الظلمة

    سلام لكم في محبة الله.نتأمل زياراتكم الكريمة لموقع النعمة موقع مجلة النعمة يقدم كلمة الله الكتاب المقدس الإنجيل رسالة السيد يسوع المسيح قراءات مختارة مواضيع مصيرية قصص واقعية شهادات شخصية ترانيم ممتازة ردود مؤكدة كتب بنّاءة رسوم تسالي تأملات يوميات

    Bible in Arabic Audio Read search Studys Stories Testimonies Hymns and Poems Answers Books Links Daily devotions Acappella Music Graphics /Alnemat Journal Arabe Chrétien La Grâce la Revue Arabe sur Internet offre La Sainte Bible Al-Injil L’Evangile de Jésus Christ gratuit, Bienvenue a La Grâce.

    Arabic Christian Magazine The Grace offering the Arabic Bible النعمة تقدم الإنجيل الكتاب المقدس

  2. أهلا،
    أنا مدونة تونسية، أردت التعريف بيوم غرة جوان، ندعو جميع المدونين المغاربة التكاتف والتدوين من أجل مغرب عربي كبير يوم غرة جوان 2007,
    لمزيد من التفاصيل http://trapboy.blogspot.com/
    يوم سعيد

    أما عن مدونتي فهي http://www.anaisnin.blogspot.com

  3. تحية لك وسعدة بالمرور على مدونتك لك تحياتى ومريدا من البذل والعطاء

    اخيك الريانى من ليبيا

  4. يشرفنا زيارتكم وانضمامكم الينا

    تفضلوا بزيارة مدونتنا على الرابط

    http://libya692007.maktoobblog.com/

  5. الحاج احمد, الحمدلله على سلامتك وتقبل الله طاعتك

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اسعدني جدا خبر الحج هذا حيث هو طاعة لا تكون الا بتوفبق من الله. كما اسعدني عودتك الى الكتابة حتى وان كانت في صورة تعليق بسيط ولكن وليس مجاملة كان يحمل معان كبيرة.

    كما يقال عدت والعود احمد وانت احمد وزيادة الخير خيرين.

    بارك الله لك في حجك ووقتك ونفع بك ونحن في انتظار مشاركاتك الرائعة.

    نصر عامر

  6. مشكور ..مشكور ..مشكور يا حاج وبارك الله فيك على كلماتك الطيبة

    أخوك المحب بلا حدود/ أحمد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر