الصحافة غير المسؤولة ..

كتبهاأحمــــد بوقـــرين ، في 2 نوفمبر 2006 الساعة: 21:26 م

 

الصحافة غير المسؤولة .. "جيلاندز بوستن" و"شيحان" نموذجا

أحمد بوقرين الجمعة 03 فبراير 2006

ahmedbogrin@hotmail.com
 
قد يتساءل البعض هل ثمة فعلا  في عُرف الإعلام والصحافة ما يسمى بالصحافة المسؤولة وغير المسؤولة ؟ ثم ما هي المعايير التي نعرف بها المسؤول من غير المسؤول في عالم الصحافة ؟، والحقيقة أنه من خلال الواقع المقروء نستطيع أن نرصد الكثير من المنشور في الصحف العربية والعالمية والذي يبين بما لا يدع مجالا للشك أن هنالك بعض الصحف تمارس هذا النوع من الصحافة "غير المسؤولة" بقصد وبدون قصد أحيانا، فقد نشرت صحيفة " ذيس داي"*النيجيرية مقالا يحوي كلمات مسيئة لمسلمي ذاك البلد أدت إلى إزهاق أرواح المئات من المسيحيين والمسلمين في أعمال عنف شديدة ربما لم تشهد البلاد مثلها في بلد تسهل فيه الفتن والحروب بسبب وبدون سبب أحيانا، فكيف إذا وجدت سببا عرقيا أو دينيا يؤججها، لا شك أننا سنشهد حينها أزمات ومآسي جسيمة كانت الصحافة "غير المسؤولة" سببا في اشتعالها واشتداد أوارها، ولعل آخر ممارسات الصحافة "غير المسؤولة" هو ما صدر عن أكبر صحيفة دنماركية صحيفة " جيلاندز بوستن " من نشر صور مسيئة للإسلام والمسلمين على صفحاتها، ثم ما قامت به بعد ذلك بعض الصحف النرويجية والفرنسية والألمانية وحتى العربية من إعادة نشر تلك الصور.
لقد لاحظنا خلال اليومين الماضيين تضارب وجهات النظر لعدد من الكتاب والمثقفين العرب حول الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للإسلام والمسلمين، والتي ظهرت بها علينا قبل أيام صحيفة "جيلاندز بوستن" الدنماركية، بين من يطالب بمعاقبة الدنمارك كدولة وربما تهديدها بالويل والثبور وعظائم الأمور على إساءة صدرت عن صحيفة خاصة مستقلة لا علاقة لها بالدولة لا من قريب ولا بعيد، وبين من يعتبر عمليات ردود الفعل السريعة التي قامت بها دول العالم العربي والإسلامي من استنكار واحتجاج ومطالبة بالاعتذار وحملات مقاطعة للبضائع الدنماركية، سُخفا، وحُمقا، وتخلفا، وبدوية، وتسطيحا للأمور، لكننا يجب أن نقرر هنا وبالرغم من حرصنا الشديد ودعوتنا إلى حرية الصحافة الإعلام واستقلالهما وبأن لا تكون هنالك أي رقابة أو قيود تفرض على حرية الصحافة في العالم بشكل عام وفي العالم العربي بشكل خاص، إلا أننا نؤكد في الوقت نفسه على أن هنالك أعرافا وأدبيات يعرفها كل العاملين في الحقل الصحافي والإعلامي يجب مراعاتها وعدم تجاهلها، ومن أهمها احترام المعتقدات الدينية للأفراد وعدم المساس بها، وبنظرة على ما قامت به صحيفة "جيلاندز بوستن" وما تبعها من تصريحات وتعليقات للطرفين الدنمركي والإسلامي يتبين الخطأ الجسيم الذي وقعت فيه هذه الصحيفة الدنماركية، ليس بالسماح لهذا الكاريكاتير المسيء لمعتقدات المسلمين بالظهور عبر صفحاتها فحسب، بل في دعوتها قبل ذلك للرسَّامين الدنماركيين إلى التقدم بمثل تلك الرسومات لنشرها على صفحاتها، فإن الإساءة من قبل هذه الصحيفة للإسلام والمسلمين لم تكن حدثا عابرا أبدا، إنما كانت هذه الإساءة هي الثالثة أو الرابعة من نوعها التي تقوم بها هذه الصحيفة خلال السنوات القليلة الماضية، مما يعني أن الصحيفة قامت بهذا العمل عن قصد وتعمد وليس من قبيل الحوادث العَرَضية.
لا شك أننا نستغرب تماما ما قامت به صحيفة " جيلاندز بوستن " الدنماركية من نشر صور مسيئة للمسلمين على صفحاتها، كما نستغرب كذلك من بعض الصحف الفرنسية والنرويجية والألمانية أن تحذو حذوها وتعيد نشر تلك الصور المسيئة للمشاعر والمعتقدات، لكننا نجد أنفسنا أشد استنكارا وأكثر استغرابا مما قامت به صحيفة " شيحان" الأردنية والتي يرأس تحريرها السيد جهاد المومني بنشر تلك الصور، فحينما نرى رسوما ومقالات تسيء للإسلام والمسلمين في الصحافة الغربية فإن الأمر قد يكون ممكننا ومحتملا ومتوقعا في بعض الأحيان، فالمجتمع الغربي على أية حال ليس له أي ثوابت لا دينية ولا خُلقية يقف عندها، وبالتالي كان متوقعا أن تصدر فيه مثل هذه الممارسات، لكن أن نرى صحفا عربية تعيد نشر تلك الصور فهذا ما لا يمكن فهمه ولا تبريره بحال.
إن الحقيقة التي تظهر واضحة من خلال مشهد هذا الحدث هي أنه قبل أن يكون هنالك استهتارا وإهانة وازدراءً  وتلاعبا بالمعتقدات والمشاعر، فإن هنالك صحافة "غير مسؤولة" سمحت بظهور مثل هذه التجاوزات والممارسات غير المنضبطة عبر صفحاتها، لقد كان بإمكان السيد " كارستن جاست" رئيس تحرير صحيفة "جيلاندز بوستن" أن يستخدم صلاحيته وما تمليه عليه أخلاق مهنته ويمتنع عن نشر هذه الإساءة التي قال عنها شخصيا في بيانه الذي نُشر عبر الصحيفة ذاتها " إنها لإهانة وجرح عميق لمشاعر المسلمين وأنا شخصيا أعتذر عن ذلك "، ومن ثم كان بإمكانه أن يكفي صحيفته ودولته ومهنته عناء هذا الاعتذار الذي يبدوا أنه كان شاقا جدا حتى أنه استغرق أياما، أما محاولة البعض تبرير هذه الإساءة بالضرب على وتر حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير- والذي لا شك أنه يطربنا ويستهوينا كثيرا- فإننا يحق لنا هنا أن نتساءل إذا كانت المسألة مسألة حرية رأي فمن يجرؤ من الغربيين، بمن فيهم الساسة والمسؤولين أنفسهم، أن يبدي رأيه صريحا ليس في إنكار "الهولوكوست" من حيث الأصل، بل مناقشة المبالغة فيها والاستخدام السياسي لها، ثم لماذا لم يتم اعتبار " روجيه جارودي " الذي حوكم في فرنسا بسبب كتابه " الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"  والذي شكك في ادعاءات الصهيونية حول أعداد اليهود الذين لقوا حتفهم في "الهولوكوست" أنه صاحب رأي، وبالتالي كان من حقه أن يبدي رأيه فيما يشاء وكيفما شاء، خاصة وأنه كاتب ومؤرخ وفيلسوف فرنسي وليس مجرد رساما كاريكاتوريا، ولماذا تمت محاكمة المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج الذي اعتقل بسبب كتابه "حرب هتلر"، والذي أنكر فيه مذبحة اليهود جملة وتفصيلا، وهو الآن يدفع ثمن رأيه غاليا، ألم يكن من حق هؤلاء أن يقولوا رأيهم في بلد تكفل دساتيره وقوانينه حرية الرأي والتعبير، ثم ماذا عن قانون "غايسو" الذي صدر في فرنسا والذي ينص على معاقبة كل من تسول له نفسه إنكار جرائم النازية ضد اليهود بالسجن لمدة سنة كاملة ودفع مبلغ 40 ألف دولار ليذوق وبال أمره، لماذا لم يتم اعتبار هذا القانون تعديا على حرية الرأي والتعبير، إنها في الحقيقة الموازين المزدوجة، والمعايير الانتقائية، في التعامل مع ثقافات ومعتقدات ومشاعر الشعوب، وليست مسألة حرية رأي على الإطلاق، إن هذه الإساءة التي صدرت عن صحيفة "جيلاندز بوستن" لا يمكن بأي حال أن نجد لها أي مبررات أو مسوغات، وبالتالي وجب الاعتذار عنها.  
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صحيفة " ذيس داي" النيجيرية السبت 16-11-2002
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : السلطة الرابعة .. صحافة x صحافة, مقالات خاصة بالكاتب | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر